
للأستاذ محمد أبو حسن
تأملتها جيدًا وهي تتعكز بثقل شديد من قسوة الألم الذي انتابها طيلة تلك السنين بعد وفاة والدي رحمة الله عليه، باتت محدودبة الظهر، وجهها شاحب ومصفر من التعب، شرايينها بارزة وكأنها في الثمانين من العمر، أخذ ينخر جسدها ذلك المرض اللعين يومًا بعد يوم، بدت نحيفة لا تستطيع الحراك، صارت جلدا على عظم.
حاولت مساعدتها فخنقتني العبرة وأجهشت بالبكاء. أحزنني حال أمي ولم أطق رؤيتها وهي على هذه الحالة، أسندت رأسي إلى الجدار وأنا أنظر إليها بعطف وحنان، لكنني لا استطيع فعل شيء.
أحسّت بما أنا فيه من حزن وخوف عليها. نادتني:
“عرفتك قويا ولم أعهدك ضعيفاً يا بني.”
جلستُ إلى جانبها أسليها وأطمئنها بأننا راضون بما قدره الله لنا وأننا تحت عنايته.
جئت بها إلى حديقة البيت علها تنسى ما فات من هموم ومصائب مرت بها، وهناك أجلستها في المكان الذي كانا يجلسان فيه معا هي ووالدي. تذكّرَت المكان والزمان الذي جمعهما معا، قالت لي:
“انظر يا بني إلى هذا المكان، كنا نجلس هنا عند جذع هذه النخلة لنستظل بظلها، كنا في ريعان الشباب، كانت أياماً جميلة وبسيطة وغير معقدة…”
“أتذكّر حين قال لي أبوك إن الأيام تمضي وها نحن نكبر معا، لم يتبق من العمر أكثر مما مضى يا أم محمد، ابننا سيكبر وسيصبح شاباً وعلينا أن نبحث له عن بنت الحلال، وهذا ما اتفقنا عليه أنا ووالدك قبل أن يختاره الله في ذلك الحادث الأليم الذي عجّل برحيله.”
كنت أمانع وأرفض ذلك الزواج دائما بحجة أنك لازلت صغيرا، وها أنت اليوم أصبحت رجلاً، أمنيتي أن أراك بثوب العرس وبجانبك حورية من الفردوس أهداها لك الله. أتخيل تلك اللحظات فأراك فيها وأنت في أبهى صورة ممسكا بيدها فأبتسم وأفرح بك، لم أنسَ تلك الأيام الحزينة الموجعة برحيل والدك، فلا ترد طلبي يا بني.”
ابتسمتُ وأنا أقبل رأسها، ضمتني إليها بدمعة فرح تتمناها راضية الخاطر، ثم داهمتها نوبة سعالٍ حادة، سقيتها بعض الماء، هدأت قليلاً.
جلست منزويا أفكر في أمر ذلك الزواج، أين أنا منه وأنا في هذه الظروف الصعبة؟ وأي بنت ترضى بموظف بسيط مثلي في هذا الوقت؟ رحمك الله يا أبي.
أتذكّر وأنا في السابعة من العمر هنا في هذا الحوش الكبير حيث كنا نلعب معا أنا وأختي سارة التي تصغرني سنا والتي رحلت معه في نفس الحادث، نركض ونصطاد بعضنا البعض، فنزعل أحياناً حين نختلف أو أغلبها في لعبة الخشّيشة* فيعلو صراخنا.
التكملة في التعليقات…
كرزكانـ.ـكم ويّـا.كـمـ ياخي