السبت , أغسطس 8 2026

مخمخ إشوية العدد 248

في مساء باردٍ من بدايات الشتاء، كانت إحدى القرى تتنفس البحر، وتستيقظ نخيلها من سباتها وهي تتهامس بندى الفجر.
دخل الشاب الخلوق علي القرية متردّدًا، يتأمل الأزقة الضيقة التي تشبه شرايين القلب، ويمشي بخطواتٍ حنينية كأنها تبحث عن ماضٍ ضائع. كان قلبه مشغولًا بتلك المجالس التي طالما عشقها، حيث يذوب العمر بين أصوات الشباب وصلابة الشيوخ، وحيث ذوو الهمم يجلسون بكرامةٍ لا تُشبه سوى صفاء البحر بعد المطر.

في زيارةٍ سابقة …
رأى مشهدًا لم يفارقه: أحد ذوي الهمم يروي قصة بطولته، والجميع يصغي له، كما لو كان شاعرًا أو حكيمًا أرسله القدر.
ابتسم وقال في سرّه: “لقد صنعوا مجلسًا يليق بالملائكة.”

لكن حين غاب زمنًا وعاد، تغيّر المشهد. في أحد المجالس، تقدّم منه شابٌ من ذوي الهمم، مدّ يده برجاء، يطلب المال.
تردّد علي، لكنه أعطى، وتكرر المشهد لاحقًا.
سأل الشيخ أبا عدنان كونه يتردد بإنتظام على المجلس : “ما الذي حدث هنا؟”
فأجابه بنبرةٍ هادئة: “كان بيننا شابٌ اسمه سعد. كريم، يعطي كلما حضر، فصاروا ينتظرونه كما ينتظر الأطفال صباح كل عيد. لكنه اختفى، وبقي الانتظار.”
كان سعد يظن أن المال دواء لكل جرح، لكن الكرم إذا غاب عنه العقل قد يُربك النفوس، ويخلق عادةً تُحرجهم وتُربك الضيوف.

في تلك الليلة، جلس سعد والشيخ قرب موقد النار.
فقال الشيخ: “النية وحدها لا تكفي يا سعد، فالطيبة بلا حكمة تُشبه مطرًا غزيرًا في أرضٍ سبخة، لا تُنبت إلا العشب الواهي.”
في اليوم التالي، اجتمعوا في المجلس.
قال علي بحذر: “ذوو الهمم لا يحتاجون دنانير عابرة، بل يحتاجون فرصة ليكونوا شركاء في الحياة.”
التفت سعد وقال بهدوء: “كنت أظن أني أُفرحهم، فإذا بي أسجنهم في انتظارٍ مرير.”
ومن يومها تغيّر المشهد.
صار المجلس ساحة حياة، لا ساحة شفقة. ذوو الهمم يرسمون، يزرعون، يروون القصص. وعاد التوازن للقرية بين القلب والعقل.

أحبتي الأعزاء ▪︎▪︎▪︎
إن أردت أن تساهم، فليكن ذلك عبر البرامج الموجهة من الجهات المعنية، التي تحفظ كرامتهم وتفتح لهم أبواب المشاركة.
أما العطاء العاطفي غير المنظّم، فقد يستحدث بينهم سلوكًا متكررًا لا يقوم على الحاجة، بل على التعود، فيتحول إلى ظاهرة تسول تُضعف صورتهم وتُفقدهم احترامهم في أعين الناس.
فلا تزرع عادة العطاء بدافع الشفقة، فإنك بذلك تجرّ عليهم النفور، وتدفعهم إلى الإلحاح الذي يُفقدهم التقدير. وحينها، تكون قد آذيتهم دون أن تدري، رغم نيتك الطيبة.

الخميس : 25/9/2025
✍️ بقلم: عيسى الفردان

عن كرزكانـ.ـكم

شاهد أيضا

لقطات منوعة من صلاة العيد

المصدر: إنستغرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *