الأربعاء , مايو 13 2026

《 تقاعدك لا يعفيك من النظافة 》

في صباح ربيعي صافٍ، حين كانت أشعة الشمس تتناثر على الأرصفة المبتلة بندى الليل، دخل أبو عدنان النادي الرياضي كعادته. المكان عامر بأصوات الأقدام فوق أجهزة الجري، وصرير الحديد بين أيدي الشباب. هناك، على طرف القاعة، وقع بصره على رجل بدا غريباً لأول وهلة، لكن ملامحه لم تخطئها الذاكرة. إنه سعد، زميله القديم، الذي طالما كان مضرب المثل في الأناقة والرائحة الطيبة والبدلات الباريسية. غير أن المشهد الآن بدا صادماً: شعره أشعث، ثيابه رثة، عرقه يتصبب، ورائحة ثقيلة تنبعث منه حتى اضطر بعض اللاعبين إلى الابتعاد في صمت.

اقترب أبو عدنان ببطء، وجلس إلى جواره، ثم قال بصوت مشوب بالدهشة والشفقة:
“ما بك يا سعد؟ قبل عامين فقط كنت من أكثر الناس ترتيباً وأناقة، فما الذي جرى؟”
أطرق سعد رأسه وزفر تنهيدة طويلة وقال:
“كنت في تلك الأيام أمثل جهة العمل. أما الآن، فقد تقاعدت… ولا أحد ينتظر مني شيئاً.”
نظر إليه أبو عدنان وقال:
“وهل الأناقة مجرد واجب وظيفي؟ أين احترامك لبيتك وزوجتك؟ ألا تخشى أن ينفر أبناؤك منك؟”

ظل سعد صامتاً، لكن الحقيقة كانت واضحة. لقد ترك نفسه للإهمال بعد التقاعد، وتوقف عن الاستحمام حتى بعد مزاولة الرياضة. صار يجلس في الديوانيات فيتحاشاه الأصدقاء، ويختنقون من رائحته. في البيت، أخذت زوجته تنفر من قربه، تتظاهر بالانشغال أو تعود مبكرة إلى غرفتها. حتى أولاده لم يعودوا يقتربون منه كما كانوا، فالأب الذي كان قدوة في المظهر والرائحة الطيبة، أصبح صورة باهتة تنفر العيون منها.
كان أبو عدنان يتأمل المشهد بحزن، وكأن صديقه الذي يعرفه قد تلاشى، وحل محله رجل فقد احترامه لنفسه واحترام الآخرين له.

أحبتي الأعزاء ▪︎▪︎▪︎
النظافة ليست ترفاً ولا مجرد زينة، إنها احترام للذات قبل أن تكون إكراماً للآخرين. كم من صديق تحاشى الجلوس بجانب صديقه في الديوانية، وكم من زوجة ضاق صدرها وهي ترى زوجها يعود إليها محمّلاً بالروائح لا بالودّ. إن ترك الاستحمام بعد الرياضة أو العمل لا يهدم العلاقات فحسب، بل يزرع نفوراً في القلوب ويبدد المودة.
فلا تجعلوا من أبسط ما يُطلب من الإنسان سبباً لخذلان من تحبون، ولا تسمحوا للرائحة أن تطغى على الذكرى الطيبة بينكم وبين أهلكم وأصدقائكم.

الخميس: 2 / 10 / 2025
✍️ عيسى الفردان

عن كرزكانـ.ـكم

شاهد أيضا

لقطات منوعة من صلاة العيد

المصدر: إنستغرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *