
كان الصباح يتثاءب فوق كرزكان.
يتسلل بخفة بين الأزقة.
الهواء رقيق، لكنه مشبع بحزن هادئ.
ذلك الحزن الذي لا يبكي.
بل يجلس قرب القلب بأدب.
وينتظر بصمت طويل.
في الطريق إلى المقبرة،
كان الرجال يمشون ببطء.
خطواتهم تحمل ثِقل الأعوام.
أعوام عرفوا فيها الرجل.
أحدهم همس:
“اليوم… نودّع رجلاً لم يعلُ صوته إلا في الخير.”
القرية تستعيد صورًا قديمة.
أوراق صفراء في رياح الذاكرة.
في مطلع الثمانينات،
ظهر شاب نحيل بوجه مكسوّ بالحياء.
يقود سيارة “ميني باص”.
يتنقل بها بين القرى.
وجهته جمعية التوعية الإسلامية.
حيث يبدأ عمله وينتهي عند خدمة الناس.
كان يقول دائمًا: “أنا واحد منكم.”
لم يحب الأضواء يومًا.
يتوارى عنها كما المطر خلف جذع نخلة.
بدأ مشواره مع رفيق دربه الحاج أحمد المقابي – أبو عمّار.
يتحركان معًا مثل توأمين.
نفس الخطوة… نفس العجلة القديمة.
من مجلس إلى مجلس.
ومن محاضرة إلى أخرى.
يسجلان أصوات العلماء.
يطاردان النور أينما وُجد.
ويعيدانه إلى القرية على شريط صغير.
حتى إنه كان يبادل أشرطة الأغاني بمحاضرات العلماء.
زرع بذرة خير في روح من يستمع.
ويمضي دون انتظار شكر أو ثناء.
كان معروفًا بانضباطه.
كأن لديه ساعة خفية لا تخطئ.
ومع مرور الزمن بقي كما هو:
هادئًا، نزيهًا، عميقًا في حضوره.
جزءًا من أساس البيت.
لا يُرى إلا حين يغيب.
ابتلاه الله في سنواته الأخيرة بمرض شديد.
لكن المرحوم جمعة لم يئن.
لم يشكو، ولم يقل يومًا: “أنا متعب.”
ظلّ يزور أقاربه.
يصلي في المسجد.
ويقف في الصف الأول.
كأنه يخفي المرض في جيبه.
كان الصبر عنده مكتوبًا على وجهه.
نقشًا قديمًا لا يمحوه الزمن.
عند المقبرة، وقف أبو عمّار وحده.
كأن الزمن توقّف لحظة.
قال بصوت خافت:
“كلما رحل أحد من رجال الظل… نقص الضوء.”
أحبّتي الأعزّاء ▪▪▪
أعمارنا تتغيّر.
مسؤولياتنا تتكاثر.
لكن الثبات هو ما يصنع الفرق.
وإن غاب الحاج جمعة عن العيون،
فإن أثره باقٍ في كل مجلس عامر.
وفي كل صالة نُظِّمت.
وفي كل خطوة خير مضى إليها أحدهم.
دون أن يعرف من أين جاء الإلهام.
الخميس: 20/11/2025
✍ عيسى الفردان
كرزكانـ.ـكم ويّـا.كـمـ ياخي