
في مساءٍ صيفيٍ خانق، كانت الحرارة تتسلل من الجدران كما تتسلل الهمسات في مجلسٍ مزدحم.
الهواء لا يُحرّك إلا الغبار، كأن مكنسةً تدور في ساحةٍ مفتوحة.
في القرية، حيث المجالس تُقام بلا دعوات، يجلس الناس كما يجلسون في انتظار نسمةٍ باردة لا تأتي.
يتحدثون، يصغون، يتنفسون الجماعة رغم ضيق المكان ورداءة التكييف.
كان سعد من أولئك الذين لا يُسألون عن حضورهم، لأنهم دائمًا هناك.
رجلٌ تقاعد من الخطابة، لكن الخطابة لم تتقاعد منه.
حين يدخل المجلس، يتغير الإيقاع: الأصوات تخفت، والوجوه تتجه نحوه، لا طاعةً بل عادة.
يتكلم كما لو أن كل فكرةٍ في الكون تنتظر أن تمرّ من حنجرته.
التاريخ، السياسة، المسرح، الرياضة—كلها تُروى بصوته، وكأنها لم توجد قبله.
في تلك الليلة، جلس شابٌ يُدعى أبو عدنان في الزاوية، يراقب.
لم يكن من أهل الاعتراض، لكنه كان من أهل التأمل.
قال بهدوء: “يا سعد، لو تسمح لي بإضافة رأي بسيط…”
توقفت المراوح، وتوقف الزمن.
نظر إليه سعد كما ينظر القائد إلى جنديٍ خرج عن الصف، وقال بصوتٍ فيه غضب:
“من قاطعني، فقد أفسد المجلس! ومن أراد الكلام، فليسكت حتى أنتهي. الكلمة إذا احتكرها واحد، خنقت أنفاس البقية!”
ساد صمتٌ يشبه صمت المقابر.
لكن أبا عدنان لم يكن من أهل الصمت حين يُهان العقل.
قال بلطفٍ فيه حزن:
“يا سعد، أنت رجلٌ فاضل، وخطيبٌ قدير، وكلنا نستمع إليك بإعجاب.
لكن ألم تسأل نفسك: لماذا لا تسمع للناس كما يسمعون لك؟
أليس المجلس حوارًا، لا خطبة؟”
لم يكن الردّ غضبًا، بل انسحابًا.
نظر سعد إلى الأرض، ثم خرج كما يخرج من خسر معركةً لم يفهمها.
غاب أيامًا، ثم عاد.
جلس في زاوية، صامتًا، كأنه تعلم من الموقف.
وحين طُلب منه الحديث، تكلم… لكنه عاد كما كان، كأن الدرس مرّ عليه مرور الريح على جدارٍ قديم.
غير أن المجلس لم يعد كما كان.
الناس لم ينصتوا.
البعض يحدّق في هاتفه، البعض يهمس، البعض يضحك.
وسعد، الذي كان يتكلم، بدأ يراقب.
يبحث عن العيون التي كانت تتابعه، فلم يجدها.
وفي تلك اللحظة، أدرك شيئًا لم يقله أحد: الصوت الذي لا يسمع إلا نفسه، لا يُسمع في النهاية.
أحبتي الأعزاء ▪︎▪︎▪︎
المجلس ليس منبرًا، بل مرآة.
من يحتكر الحديث، يحجب صور الآخرين، ثم يجد نفسه وحيدًا أمام مرآته.
فالكلام الذي لا يترك مساحة للغير، يصبح ضجيجًا لا يُصغي إليه أحد.
والمجلس الذي لا يتسع للآراء، يضيق حتى على صاحبه.
فلا ترفع صوتك لتُسمع، بل افتح قلبك لتُفهم.
الخميس : 30/10/2025
✍️ عيسى الفردان
كرزكانـ.ـكم ويّـا.كـمـ ياخي